بعد دخول الصراع شهره السابع وتصاعد الأزمات فى ممرات الطاقة العالمية يتبقى ثلاثة سيناريوهات فقط من المرجح لأحدهما أن ينهى الحرب على إيران: السيناريو الأول والذى يمكن أن نسميه سيناريو الحسم العسكرى وهزيمة إيران بحرب عسكرية مفتوحة تعود فيها واشنطن إلى تكثيف الضربات على إيران لإجبارها على الاستسلام لتتم تسوية سياسية قسريةتنهى العمليات العسكرية بعد عودتها بقوة وزخم أكبر بكثير من أى وقت مضي، وتفرض الولايات المتحدة بقوتها العسكرية كلمتها وشروطها وأبرزها إجبار إيران على التخلى الكامل عن طموحاتها النووية وفتح مضيق هرمز بالكامل لضمان حرية الملاحة الدولية مع استمرار الضغط وبقاء العقوبات الاقتصادية والقيود على بيع النفط الإيرانى لمنع النظام من استعادة قوته، لكن هذا السيناريو مستبعد الآن فى ظل ظروف الانتخابات النصفية للكونجرس والضغط الأمريكى الداخلى على ترامب وإدارته، وقد يكون مؤجلا لما بعد الانتخابات النصفية.
السيناريو الثانى فيتمثل فى استمرار واشنطن فى سياسة الخنق الاقتصادى على النظام الإيرانى حتى يتم الانهيار الداخلى وتتحول الاستراتيجية الأمريكية من مواجهة مباشرة مكلفة إلى فرض حصار بحرى واقتصادى طويل الأمد يعتبر بديل للحرب المفتوحة، وهذا الطرح تفضله إدارة ترامب الآن لتقليل الخسائر العسكرية البشرية والمادية حيث تميل إلى تجنب التورط فى مستنقع حروب برية طويلة الأجل، مع المراهنة على أن تؤدى الضغوط المعيشية القاسية فى الداخل الإيرانى والعزلة الدولية إلى إضعاف النظام الإيرانى تدريجياً حتى ينهار أو يتغير تلقائياً، وتقول القراءة العميقة للمعطيات السياسية والميدانية الراهنة أنه السيناريو الأقرب للتحقق لأنه مزيج متداخل بين الخنق الاقتصادى الطويل، وفرض تسوية سياسية قسرية غير متكافئة تلبى الشروط الغربية.. فالحروب المفتوحة فى الشرق الأوسط تكلف الخزائن الغربية تريليونات الدولارات وتستنزف الأرواح البشرية، وهو ما يرفضه البيت الأبيض حالياً، ويرتكز هذا السيناريو على تحويل المواجهة العسكرية إلى حصار بحرى واقتصادى خانق ومستدام.. الرئيس ترامب لمح مؤخراً إلى ما يسمى بـ«سيناريو فنزويلا»، مهدداً بالسيطرة غير المباشرة على أصول النفط الإيرانى أو شل حركته التصديرية تماماً كنوع من التعويض المالى وضمان أمن الطاقة العالمي، وبناءً عليه ستجبر واشنطن إيران على تقديم تنازلات كبرى تتجاوز بكثير مواقفها المتشددة السابقة.. كالتفكيك الصارم والمراقب لما تبقى من برنامجها النووى لضمان عدم وصول طهران لعتبة إنتاج السلاح النووى نهائياً، وتحجيم البرنامج الصاروخي، ووضع قيود صارمة على المدى والقدرات الهجومية لترسانتها البالستية وطائراتها المسيرة وتفكيك قنوات الدعم المالى والعسكرى عن الفصائل التابعة لها فى اليمن ولبنان والعراق.
السيناريو الثالث والأخير وهو «اللاحرب واللاسلم» مع استمرار حرب الوكلاء إلى أجل معين مرتبط مثلا بانتخابات الكونجرس النصفية فى نوفمبر القادم وتراهن إيران على هذا السيناريو للضغط على الرئيس الأمريكى وحزبة قبيل انتخابات شرسة مع الديمقراطيين، وهذا السيناريو تفضله إيران رغم شبه انهيار للوضع الاقتصادى وقلة حيلة الصبر الاستراتيجى مع صعوبة الحياة تحت الحصار، لكنه يظل السيناريو الأكثر احتمالاً فى الوقت الحالى بسب غياب الحسم العسكري، فكلا الطرفين لايريد الانخراظ فى حرب عسكرية موسعة غير محسوب بدقة نتائجها وكلفتها، فيفضلان التوقف المحدود للمواجهات حيث تهدأ الضربات الجوية الكبرى بين الأطراف الأساسية دون توقيع أى اتفاق سياسى رسمي، فيلجأ الحرس الثورى الإيرانى إلى التحصن داخل البلاد مع الاستمرار فى إدارة العمليات من الأطراف وتشغيل جبهات الوكلاء بإطلاق صواريخ ومسيرات عبر «الحوثيين فى اليمن والفصائل فى العراق» وقصف السفن والممرات المائية وباب المندب، مما يجعل الحرب ممتدة ومستنزفة لجميع الأطراف.. وبالنسبة للإيرانيين فهذا السيناريو يفترض صمود النظام أمام العاصفة.
فى النهاية، أنا أستبعد السيناريو الأول وهو «عودة الحرب الموسعة» فيبدو أن المدافع والضربات الجوية سوت الأرض لتمهيد الطريق أمام أحد خيارين إما «معركة الجيوب والحصار الاقتصادي» الذى يحقق للولايات المتحدة أهدافهما الاستراتيجية دون تكبد خسائر الحرب الشاملة، أو «اللا سلم واللا حرب» الذى تحاول به إيران الإبقاء على شكل نظامها واستمرار الصمود للبقاء على قيد الحياة حتى الانتهاء من انتخابات الكونجرس اعتقاداً منها أنه ربما يتغير شيء.